ملا نعيما العرفي الطالقاني

259

منهج الرشاد في معرفة المعاد

وإنّما قلنا إنّ المعلوم بالذات والمخبر عنه بالحقيقة ، هو ما في الذهن من تلك الحيثيّة المذكورة ، وأنّ الأمر الخارجي معلوم ومخبر عنه بالعرض ، حيث كان هناك أمر خارجي ، لأنّ النفس لا تدرك إلّا ما حصل فيها أوّلا وبالذات ، وما ذلك إلّا ما في الذهن دون الأمر الخارجي . وأيضا لو كان المخبر عنه بالذات ، هو الأمر الخارجي لكان يجب في كلّ خبر أن يكون هناك أمر خارجي هو المخبر عنه ، وليس كذلك ، إذ قد لا يكون ما في الذهن مشارا به إلى خارج كما قد عرفت ، ومع هذا يكون الإدراك والإخبار بحاله على نحو الإدراك والإخبار عن الأمر الخارجي . ومن هذه الجملة قد انكشف أنّ الحكم والإخبار سواء كان إيجابيّا أو سلبيّا يستدعي وجود المخبر عنه والمحكوم عليه في الذهن . كيف وقولنا في الحكم السلبي : « هو ليس كذا » يتضمّن إشارة ، والإشارة إلى المعدوم المطلق لا معنى له بوجه من الوجوه ، إلّا أنّ بين الحكم الإيجابي والحكم السلبي فرقا من وجه آخر ، وهو أنّ الحكم الإيجابي - حيث كان الغرض منه الإيجاب المحض ، وإن عبّر عنه بالحكم السلبي ، وكان المحمول أمرا ثبوتيّا واقعيّا ثابتا للموضوع في الواقع لا سلبيّا وإن عبّر عنها بالأمر السلبي - يستدعي وجود المخبر عنه والموصوف في ظرف الثبوت والاتّصاف وجودا واقعيّا مع قطع النظر عن ذلك الفرض في الذهن ، وجودا يترتّب عليه الآثار الواقعيّة المطلوبة منه . وهذا الوجود الواقعي قد يكون وجودا خارجيّا حيث كان الخارج ظرفا لثبوت المحمول أو مبدأه في نفسه في الخارج ، سواء كان ذاتيّا للموضوع كقولنا : زيد إنسان ، أو عرضيّا له في قولنا : الجسم أبيض ، أو أمرا عدميّا باعتبار وله ثبوت في الخارج باعتبار آخر ، كما في قولنا : زيد أعمى ، فانّ العمى أي عدم البصر وإن كان أمرا عدميّا باعتبار ، لكنّه حيث كان عدم ملكة من محلّ قابل ، ولم يكن هو محض العدم ، بل كان لذلك الشكل وتلك الهيئة الحاصلان في البدن مدخل في انتزاعه ، كان له نحو ثبوت في الخارج بوجود موضوعه فيه ، ولذلك كان ثبوته له منشأ لثبوته في الخارج ، أو كان المحمول أمرا انتزاعيّا منتزعا من موجود خارجي ، أي ينتزعه العقل من الموجود الخارجي من حيث وجوده الخارجي كما في قولنا : السماء فوقنا . وقد يكون وجودا واقعيّا في نفس الأمر أعمّ من الوجود الخارجي والذهني الواقعي